دنيا محسن تكتب: المعركة التي تلتهم المؤسسات من الداخل

دنيا محسن تكتب: المعركة التي تلتهم المؤسسات من الداخل
دنيا محسن

يُفترض أن يكون الاختلاف وسيلة لتطوير الأفكار وصناعة قرارات أفضل، لكنه في بعض الأحيان يتحول إلى صراعات تستنزف الطاقات وتبدد الجهود، والمؤسف أن بعض البيئات التنظيمية تنشغل بخلافات الأشخاص أكثر من انشغالها بتحقيق الأهداف التي أُنشئت من أجلها.

فعندما يصبح الانتصار على الزميل أهم من نجاح الفكرة، وتتحول الاجتماعات إلى ساحات لإثبات النفوذ بدلًا من أن تكون ورش عمل للإنتاج، تبدأ المؤسسة في فقدان بوصلتها. فالوقت الذي يُهدر في النزاعات كان يمكن استثماره في مبادرات تخدم المجتمع، أو في تطوير الأداء، أو في صناعة أثر حقيقي.

إن الصراعات التي لا تقوم على اختلاف في الرؤى أو المبادئ، وإنما تنبع من المنافسة الشخصية، أو الرغبة في الظهور، أو تصفية الحسابات، لا تنتج سوى بيئة طاردة للكفاءات. فالأشخاص المخلصون للعمل يفضلون الإنجاز على الضجيج، بينما تزدهر الخلافات عندما يغيب المشروع الحقيقي.

وقد قال الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور: "كلما قلت قيمة الإنسان، ازداد حرصه على الظهور"، وهي مقولة تلخص كيف يمكن أن تتحول الرغبة في إثبات الذات إلى معارك لا تضيف شيئًا للعمل، بل تستهلك الوقت والجهد على حساب الإنجاز.

إن أخطر ما يصيب أي مؤسسة ليس اختلاف الآراء، بل أن تتحول المبادئ إلى شعارات تُرفع عند الحاجة، ثم تُطوى عندما تتعارض مع المصالح الشخصية. فالمبدأ الحقيقي لا يتغير بتغير المناصب، ولا تُقاس قيمته بحجم المكاسب والخسائر، وإنما بما يحققه من أثر وإنجاز يخدم المجتمع.

فالمواطن لا يعنيه من انتصر داخل التنظيم، بل يعنيه من نجح في حل مشكلة، أو قدم مبادرة نافعة، أو أسهم في تنفيذ أنشطة مجتمعية مؤثرة، أو أحدث تغييرًا إيجابيًا داخل المؤسسة.

الخلافات لن تتوقف، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين الخلاف الصحي الذي يبني، والصراع العقيم الذي يهدم. ولا تتوقف الأزمة عند النزاعات الشخصية، بل تمتد إلى نمط أكثر خطورة، يتمثل في تراجع بعض الأشخاص عن المبادئ التي كانوا يتغنون بها بمجرد أن تلوح لهم سلطة أو مصلحة.

فتجد من كان يتحدث بالأمس عن العدالة يصمت أمام الظلم، ومن كان يدعو إلى الشفافية يغض الطرف عن التجاوزات، ومن كان يطالب بإنصاف الآخرين يختار الصمت عندما يصبح ثمن الإنصاف خسارة منصب أو نفوذ.

والتاريخ لا يتذكر من انتصر في المعارك الصغيرة داخل المكاتب، وإنما يتذكر من صنع أثرًا حقيقيًا خارجها.

فالشخص الذي يساوم على مبادئه لا يتمثل فقط فيمن يتوقف عن العمل بسبب خلافات صغيرة، بل أيضًا فيمن يرى الخطأ واضحًا ثم يختار الصمت حفاظًا على مكانته، أو يتخلى عن قناعاته طلبًا لرضا أصحاب النفوذ.

أحيانًا يكون الصمت أمام الخطأ مشاركة فيه، كما أن التنازل عن المبادئ من أجل السلطة لا يصنع قائدًا، بل يصنع تابعًا.

وفي النهاية، فإن المؤسسات لا تنهار بسبب وجود الخلافات، فاختلاف الرأي أمر طبيعي، لكنها تنهار عندما يصبح الولاء للأشخاص أقوى من الولاء للمبادئ، وعندما يتقدم الصراع على الرسالة، والمصلحة الشخصية على المصلحة العامة. ففي تلك اللحظة، تبدأ المؤسسة في خسارة أهم ما تملكه: ثقة الناس، وكفاءة أبنائها، وقدرتها على صناعة المستقبل.

اقرأ أيضا: 

دنيا محسن تكتب: من القيمة إلى الوسيلة