دينا محسن تكتب: من القيمة إلى الوسيلة

دينا محسن تكتب: من القيمة إلى الوسيلة
دنيا محسن

 بقلم: دينا محسن

يطفو في كثير من العلاقات الإنسانية نمطٌ خفي من السلوك، عندما تتغذى العلاقة على المصلحة أكثر من اهتمامها بالإنسان نفسه، ففي هذه الحالة، يرى بعض الأفراد الآخرين مجرد وسيلة لتحقيق ما يريدون، فيختزلون من حولهم إلى أدوات تخدم رغباتهم، بدلًا من أن ينظروا إليهم كذواتٍ لها قيمة واستحقاق.

القيمة لا تنتهي بانتهاء المصلحة، ولا تُقاس بما يقدمه الإنسان من خدمات أو تضحيات، أما الوسيلة فيُستغنى عنها بمجرد الوصول إلى الهدف.

والمؤلم أن كثيرين لا يكتشفون هذا الفرق إلا بعد أن يمنحوا وقتهم، ومشاعرهم، وجهدهم، ثم يجدوا أنفسهم خارج المشهد، وكأنهم لم يكونوا جزءًا منه يومًا.

ليس كل من اقترب منك أحبك، وليس كل من أثنى عليك قدّر قيمتك.

أحيانًا يكون الاهتمام مرتبطًا بما تستطيع أن تقدمه، فإذا انتهى العطاء، انتهى الاهتمام معه. ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل كنت محبوبًا لذاتك، أم لما كنت توفره؟

العلاقات الصحية لا تُبنى على الاستفادة والمصلحة الشخصية، وإنما على الاحترام والتقدير المتبادل.

 ففيها يبقى الإنسان حاضرًا حتى في أوقات ضعفه، لأنه قيمة في ذاته، وليس أداة تُستخدم ثم تُترك.

لا تسمح لأحد أن يقنعك بأن قيمتك تكمن فيما تعطيه فقط، فقيمتك الحقيقية في أخلاقك، ومبادئك، ووجودك، وإنسانيتك.

فمن يراك وسيلة سيبحث عن غيرك عندما تنتهي مصلحته، أما من يراك قيمة فسيتمسك بك حتى عندما لا يحتاج منك شيئًا.

تذكّر أن قيمتك لا تُقاس بمقدار ما يطلبه الآخرون منك، بل بمقدار احترامك لذاتك، وقدرتك على وضع حدود تحمي إنسانيتك، فالحياة أقصر من أن تهدرها في إثبات قيمتك لمن لم يرها منذ البداية، فلا تسمح لأحد أن يستخدم قلبك جسرًا لعبوره، ثم يتركك واقفًا على الضفة الأخرى وحدك.

وكما قال الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط: "عامل الإنسانية، سواء في شخصك أو في شخص أي إنسان آخر، دائمًا باعتبارها غاية في ذاتها، وليس مجرد وسيلة".

وهذا هو الفارق الجوهري بين العلاقات التي تمنح الإنسان قيمته، وتلك التي تستهلكه لتحقيق المصالح.

فحين تُختزل قيمة الإنسان فيما يقدمه، يصبح وجوده مؤقتًا ينتهي بانتهاء الحاجة إليه، أما حين يُقدَّر لذاته، فإن الاحترام يبقى حتى في غياب المنفعة، لأن القيمة الحقيقية لا تُقاس بما نعطيه، بل بما نمثله في حياة من يعرفون قدرنا.