فنزويلا في زمن التحولات الجبوسياسية:قرآءة استراتيجية في منطق الصمود وبناء التوازنات

كتبت: غادة عيد لم تعد فنزويلا اليوم مجرد ساحة لصراع داخلي بين معارضة وحكومة، أو ساحة صراع بين الاشتراكية والرأسمالية، بل تحولت إلى حالة سياسية تُختبر من خلالها ملامح نظام دولي جديد. ففي وقت تترنح فيه مفاهيم السيادة بفعل التدخلات الخارجية، وتُعاد فيه صياغة التحالفات على أسس جديدة، تتقدم كاراكاس بقيادة نيكولاس مادورو كلاعب يتقن اللعب خارج حدود المألوف. المسألة الفنزويلية لم تعد شأنًا محليًا، بل أضحت انعكاسًا لصراع عالمي على شكل العالم المقبل. مع التراجع المتزايد لنفوذ الولايات المتحدة على المسرح العالمي، خصوصًا بعد الحرب في أوكرانيا وتصاعد نفوذ الصين، نجح مادورو في إعادة تدوير موقع بلاده الجيوسياسي، مستفيدًا من التناقضات بين القوى الكبرى. لم يكتف الرجل بموقع "الضحية" في سردية الحصار والعقوبات، بل تحوّل إلى فاعل يجيد اقتناص اللحظة التاريخية. وهنا يكمن جوهر التحول: لم تعد فنزويلا تطالب برفع العقوبات فقط، بل تطرح نفسها كحليف موثوق في النظام المتعدد الأقطاب، خاصة بالنسبة للدول التي تسعى إلى فك الارتباط بالمنظومة الغربية التقليدية. تندرج تحركات فنزويلا الخارجية ضمن ما يمكن تسميته بـ"الدبلوماسية الجنوبية"، أي تلك التي تسعى إلى بناء شبكات علاقات أفقية مع دول الجنوب العالمي. وقد ظهر ذلك جليًا في التنسيق المستمر مع دول مثل إيران، وتركيا، والصين، وجنوب أفريقيا، وروسيا، وفي التحركات المتسارعة للانضمام إلى تحالفات مثل بريكس ومبادرات طريق الحرير. هذا النهج يحرر كاراكاس من وهم الاندماج في نظام دولي تقوده المؤسسات الغربية، ويسمح لها بطرح تصور مغاير لموقع الدولة المتوسطة في عالم تتنازع فيه الكتل الاقتصادية الكبرى على النفوذ، بعيدًا عن منطق التبعية. رغم قسوتها، لم تُنتج العقوبات الغربية النتائج المتوقعة. بل على العكس، دفعت فنزويلا إلى تطوير نماذج بديلة في التجارة الخارجية، وفي نظام المدفوعات، وحتى في استراتيجيات الطاقة. ومن المفارقات أن الضغط الأميركي دفع بكين وموسكو إلى تعميق استثماراتهما في القطاع النفطي الفنزويلي، وأن دولًا من خارج المعسكر الغربي بدأت ترى في فنزويلا شريكًا غير خاضع. لقد حول مادورو العقوبات من عامل خنق إلى عنصر تعبئة داخلية وتعبير عن استقلالية القرار السياسي. وهنا تظهر مهارة دبلوماسية فريدة: تحويل أدوات الضغط إلى أوراق تفاوض. قد يكون الحضور الرمزي أحيانًا أكثر فاعلية من التأثير المادي. فنزويلا – رغم تراجع ناتجها القومي وتدهور بنيتها الاقتصادية – لم تنسحب من المنصات الدولية، بل عمدت إلى تعظيم وجودها فيها. ومن خلال مشاركات منتظمة في قمم الجنوب العالمي، وقمم المناخ، ومنتديات بريكس والاتحاد الإفريقي، أعادت كاراكاس رسم صورتها كدولة تحمل مشروعًا تحرريًا، لا مجرد خطاب. في هذا السياق، لا يعود مادورو مجرد رئيس محاصر، بل رجل دولة يسعى لتقديم "حالة فنزويلا" كنموذج مقاوم للانصياع، قابل للتكرار في بيئات مشابهة. إن دلالة فنزويلا لا تكمن في قوتها العسكرية، ولا حتى في وزنها الاقتصادي الحالي، بل في أنها تقدم اختبارًا جادًا لقدرة الدول على الحفاظ على استقلال قرارها في ظل نظام دولي في طور التشكل. وإذا كانت روسيا والصين تقدمان معادلات بديلة على مستوى القوى الكبرى، فإن فنزويلا تمثل المعادل الرمزي للدول النامية التي ترفض أن تكون مجرد تابع. فالنموذج الفنزويلي يحرّك نقاشًا أعمق: هل من الممكن قيام نظام عالمي أكثر عدالة من خارج المنظومة التي صاغت معايير "الشرعية الدولية" منذ نهاية الحرب الباردة؟ وهل تستطيع الدول الصغيرة والمتوسطة أن تتكتل على أسس سياسية واقتصادية تعيد تعريف مفهوم "التحالف" خارج منطق المصالح الضيقة؟ ليست فنزويلا وحدها في هذا المسار، لكنها الأكثر تعبيرًا عن مفارقات المرحلة. فدولة مأزومة داخليًا، محاصرة خارجيًا، تواصل تحدي منطق القوة وفرض حضورها السياسي في فضاء دولي مأزوم. إن التجربة الفنزويلية في عهد مادورو ليست وصفة يمكن تعميمها، لكنها إشعار تاريخي بأن التوازنات لا تُبنى بالقوة فقط، بل بالإرادة، والتوقيت، والقدرة على استثمار اللحظة العالمية. وفي عالم يفقد معاييره التقليدية، قد تصبح التجربة الفنزويلية مرآة لأسئلة أكبر: عن العدالة، والكرامة، والسيادة، والحق في أن يكون للدول صوت، حتى لو لم تكن قوية بما يكفي لإملاء الشروط.