أمينة العمدة تكتب: من الألم إلى الأمل.. كيف صنعت الإعاقة رسالتي في الحياة؟
لا أستطيع أن أتحدث عن نفسي دون أن أعود إلى تلك الطفلة الصغيرة التي قضت جزءًا كبيرًا من طفولتها بين جلسات العلاج الطبيعي، فمنذ أن كان عمري ثلاث سنوات، أصبح العلاج جزءًا من تفاصيل حياتي اليومية، حتى شعرت أحيانًا أنه يكبر معي.
كنت أخاف من الصيدليات، ومن رائحة الدواء التي كانت تسبقني قبل أن أدخل، ومن الحقن التي كنت أحاول الهروب منها، ومن طعم الدواء المر الذي ظل عالقًا في ذاكرتي لسنوات.
ورغم أنني كنت طفلة تحب الضحك واللعب مثل غيرها، فإن طفولتي لم تكن تشبه طفولة الجميع، كنت أقف أراقب الأطفال وهم يركضون خلف الكرة، ويتسابقون، ويسقطون ثم ينهضون ليواصلوا اللعب، بينما كنت أكتفي بالمشاهدة، لم يكن يؤلمني فقط عدم قدرتي على المشاركة، بل كان يؤلمني أكثر إحساسي بأنني مختلفة، وأن بعض العيون كانت ترى إعاقتي قبل أن ترى شخصيتي.
مع مرور الوقت، أدركت أن الحياة لا تمنح الجميع البداية نفسها، لكنها تمنح كل إنسان فرصة ليكتب نهايته بنفسه. ومن هنا بدأت رحلتي مع الإصرار.
لم أسمح للخوف أن ينتصر، ولم أقبل أن تكون الإعاقة هي العنوان الوحيد الذي يعرفني به الناس، بل قررت أن أصنع لنفسي هوية تتحدث عن أحلامي وإنجازاتي قبل أي شيء آخر.
وجدت نفسي في الإعلام، لأنني كنت مؤمنة بأن الكلمة قادرة على صناعة الفرق، عملت معدة برامج في قناة ON، وما زلت أواصل رحلتي العلمية بدراسة الدراسات العليا في الإعلام، إيمانًا مني بأن الإنسان يظل يتعلم ما دام يحمل حلمًا يسعى لتحقيقه.
ورغم عشقي للإعلام، ظل سؤال واحد يرافقني دائمًا: لماذا لا يجد الأطفال من ذوي الإعاقة أنفسهم في القصص؟ لماذا يغيبون عن الحكايات التي يقرؤونها؟
كنت أتمنى، وأنا طفلة، أن أقرأ قصة عن طفل يشبهني؛ يحلم، ويخطئ، وينجح، ويضحك، دون أن تكون إعاقته هي كل ما يميزه.
من هذا السؤال وُلد مشروع «حكايات أبلة أمينة»، لم تكن مجرد سلسلة قصص للأطفال، بل محاولة لتقديم صورة إنسانية حقيقية تؤكد أن الاختلاف لا يلغي الموهبة، وأن الإعاقة لا تمنع النجاح، وأن لكل طفل الحق في أن يرى نفسه بطلًا في قصة.
وكان من أجمل محطات هذه الرحلة تبني الهيئة المصرية العامة للكتاب للمشروع، وهو ما منحني شعورًا عظيمًا بالثقة والمسؤولية. وما كنت لأصل إلى هذه المرحلة لولا كل يد امتدت إليّ بالدعم، وكل شخص آمن بالفكرة قبل أن تتحول إلى كتب بين أيدي الأطفال، وسيظل الامتنان حاضرًا في قلبي لكل من ساندني وآمن بي.
لم تكن المكافأة الحقيقية في النشر أو الظهور الإعلامي، بل في كلمات الناس.
لن أنسى رسائل الأمهات اللاتي كتبن لي: "نفسي بنتي تبقى زيك"، أو "نفسي ابني يبقى عنده إرادتك." كانت تلك الكلمات تمنح لكل لحظة ألم عشتها معنى، وتجعلني أشعر بأن رحلتي أصبحت مصدر أمل لغيري.
عندما أنظر إلى حياتي الآن، لا أرى الشلل الدماغي، ولا سنوات العلاج، ولا الصعوبات التي مررت بها. أرى فتاة تعلمت كيف تحول الألم إلى رسالة، والتحدي إلى دافع، والحلم إلى واقع.
ما زلت أحلم بالكثير، وما زلت أؤمن أن أجمل ما في رحلتي أنني لم أصل إلى نهايتها بعد.
لا أريد أن يتذكرني الناس لأنني تحديت الإعاقة، بل لأنني تركت أثرًا طيبًا، وكتبت حكايات جعلت طفلًا يبتسم، وأمًا تطمئن، ومجتمعًا ينظر إلى الاختلاف بعين أكثر إنصافًا.
أمينة العمدة