غابة الطيور التي اختل فيها الميزان
في غابة بعيدة، كانت الأشجار تعلو فوق بعضها، وتعيش بين أغصانها أسراب من الطيور، لكل طائر دوره، ولكل سرب نظامه، وكان على رأس الغابة طائر كبير يتولى شؤونها، يساعده طائر آخر في إدارة التفاصيل اليومية، بينما تتولى مجموعة من الطيور نقل أخبار الغابة ومتابعة ما يجري فيها.
في البداية، كانت الأمور تسير بهدوء، وكل طائر يعرف موعد عودته إلى العش، وما عليه من مهام، وما ينتظره السرب منه.
لكن مع مرور الوقت، بدأت قواعد الغابة تتغير.
كان هناك طائر اعتاد ألا يحضر إلى شجرته إلا نادرا، وإذا ظهر يوما، لم يكن أحد يسأله عن سبب الغياب، ولا عن المهام التي لم ينجزها.
تعلم الطائر أن الغياب لا يزعج أحدا، وأن هناك من يفتح له الطريق كلما قرر أن يعود.
وفي المقابل، كان طائر آخر لا يتأخر عن سربه، يطير منذ الصباح، وينتقل بين الأغصان، وينجز ما يطلب منه.
لكن الغريب أنه كلما حاول أن يثبت نفسه، وجد عينا تراقبه، وملاحظة تنتظره، وحسابا دقيقا لكل خطوة يخطوها.
لم يفهم الطائر لماذا كانت المساحة واسعة لطائر، وضيقة إلى هذا الحد على طائر آخر.
ثم بدأت الحكاية تأخذ شكلا أكثر غرابة.
كان هناك طائر ثالث اعتاد أن يقف كثيرا بالقرب من أحد الطيور الآخرين، ويتحدث معه، ويتبادل معه الأخبار.
لم يعجب ذلك كبير الطيور.
ومنذ ذلك الوقت، تغيرت النظرة إلى الطائر الثالث، وأصبح كل ما يفعله محل شك، وكأن قربه من طائر آخر أصبح خطأ يستحق العقاب.
ومع الأيام، بدأت الطيور تلاحظ أن الأمر لم يعد يتعلق بالطيران أو العمل أو الالتزام.
أصبح هناك طائر يستطيع أن يغيب دون أن يسأل عنه أحد، وطائر آخر يحضر كل يوم ولا يجد من يقدر جهده، وطائر ثالث أصبح وجوده مزعجا لمجرد أنه اقترب من الطائر الخطأ.
وفي ليلة هادئة، وقف بوم عجوز فوق شجرة عالية، وظل يراقب الغابة طويلا قبل أن يقول:
«حين تصبح الأجنحة متساوية في السماء، ثم تصبح القواعد مختلفة على الأرض، تعرف الطيور أن شيئا ما اختل في الغابة».
ثم أضاف:
«المشكلة ليست في الطائر الذي يغيب، ولا في الطائر الذي يعمل، ولا حتى في الطائر الذي يصادق غيره... المشكلة حين يصبح الحكم على الطيور مرتبطا بمن يقف خلفها، لا بما تفعله».
ساد الصمت بين الأغصان.
فقد فهمت الطيور أن الغابة لا تحتاج دائما إلى عاصفة حتى تختل.
أحيانا يكفي أن يكون الميزان واحدا في الظاهر، لكنه يميل كل مرة ناحية طائر مختلف.